ابن عربي

204

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

هذا الهيكل لما تقاسي فيه من ذلّ الحجاب . ولولا قوتها على الذلّ فيما يصيبها من المقام الأعز الأحمى لهلكت رأسا واحدا ، ولكن الشيء لا يهلك عن حقيقته فالذلّ لها ذاتي ، فإن الإمكان افتقار وعجز محض ، فالذلّ وصف ولازم ، وهو في غير ذلك المقام بالعرض . وسماعنا على قول ابن الدمينة : ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد * لقد زادني مسراك وجدا على وجد لئن هتفت ورقاء في رونق الضحى * على فنن غضّ النبات من الرند بكيت كما يبكي الوليد ولم يكن * جليدا وأبديت الذي لم يكن يبدي وقد زعموا أن المحب إذا دنا * يمل وأن النأي يشفى من الوجد بكل تداوينا فلم يشف ما بنا * على أن قرب الدار خير من البعد على أن قرب الدار ليس بنافع * إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ السماع في ذلك : النفس طالع من المقام الأعلى كني عنه بالصّبا . والسؤال بالزمان لإحساسه به في عالم التركيب أثرا لا عينا لعلوّها عن ذلك . وكلما توالى السرى زادت المعارف ، فيمكن الشوق ، ويضاعف الوجد والبلوى . ثم قال : لئن هتفت النفس الأبية العلوية في زمان قوة النور الأجلي صارخة على فنن الاعتدال الأكمل ، الذي نشأ الكامل عليه في أول أمره ، وجعله زندا للدهن الذي به مادة بقاء الأنوار ، وما فيه من المنافع ، يكتب يقول : للنفس الحرية كما يبكي الوليد من الولادة ، لأنها منها . فجاء بما يشير به من الألفاظ إليها ، وكيف يكون جليدا فرع دعاه أصله إليه فأبدى ما لديه . وقد زعموا وهو حق أن المحبّ إذا دنا من عالم الملك يمل وأن النأي البعيد عنه يريح من الألم صحيح ، فهذا أنبأ عن أمر محقق ، فالتجلي هناك لا يتكرر ، والنعيم له مثله فلا ملل ، وقد تداوى المجنون بهما ، وقرب دار كل محب حيث كان حبيبه خير له من بعدها ، وكنى عن النفس بالورقاء ، كما كنّت الحكماء عنه بهذا الاسم ، وفيها يقول بعضهم القصيدة التي شهرت بين العلماء : هبطت إليك من المحل الأرفع * ورقاء ذات تعزّز وتمنّع محجوبة عن كل مقلة ناظر * وهي التي سفرت ولم تتبرقع وصلت على كره إليك وربما * كرهت فراقك وهي ذات تفجّع أنفت وما سكنت فلما واصلت * ألفت مجاورة الخراب البلقع وأظنها نسيت عهودا في الحمى * ومنازلا لفراقها لم تقنع حتى إذا نزلت بهاء هبوطها * عن ميم مركزها بذات الأجرع